محمد متولي الشعراوي

1232

تفسير الشعراوي

ولذلك نقول للذين يصلون إلى المرتبة العالية في الغنى ، أو الجاه ، أو أي مجال ، لهؤلاء نقول : احذر حين تتم لك النعمة ، لماذا ؟ لأن النعمة إن تمت لك علوا وغنى وعافية وأولادا ، أنت من الأغيار ، وما دامت قد تمت وصارت إلى النهاية وأنت لا شك من الأغيار ، فإن النعمة تتغير إلى الأقل . فإذا ما صعد إنسان إلى القمة وهو متغير فلا بد له أن ينزل عن هذه القمة ، ولذا يقول الشاعر : إذا تم شئ بدا نقصه * ترقب زوالا إذا قيل تم والتاريخ يحمل لنا قصة المرأة العربية التي دخلت على الخليفة وقالت له : أتم اللّه عليك نعمته . وسمعها الجالسون حول الخليفة ففرحوا ، وأعلنوا سرورهم ، لكن الخليفة قال لهم : واللّه ما فهمتم ما تقول ، إنها تقول : أتم اللّه عليك نعمته ، فإنها إن تمت تزول ؛ لأن الأغيار تلاحق الخلق . وهكذا فهم الخليفة مقصد المرأة . والشاعر يقول : نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة * فكيف آسى على شئ لها ذهبا إن النفس المالكة هي نفسها ذاهبة ؛ فكيف يحزن على شئ له ضاع منه ؟ والحق سبحانه يطلب منا أن نكون دائما على ذكر من قضية واضحة هي : أن الكون كله للّه ، والبشر جميعا بذواتهم ونفوسهم وما ظهر منها وما بطن لا يخفى على اللّه ، والحق سبحانه لا يحاسبنا على مقتضى ما علم فحسب ، بل يحاسبنا على ما تم تسجيله علينا . إن كل إنسان يقرأ كتابه بنفسه . . فسبحانه يقول : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) ( سورة الإسراء )